X إغلاق
X إغلاق
يوم الخميس 24/08/2017 | الساعة
ارسل خبر اتصل بنا
اخبار سريعة
للتواصل عبر البريد الاكتروني [email protected] اننا في موقع سمانا نؤمن بأنكم ستكونون عاملاً هاماً ومؤثراً, يدفعنا الى بلورة هذا الموقع – موقعكم – ليلائم رغباتكم آملين ان تساهموا معنا بإرسال آرائكم واقتراحاتكم وملاحظاتكم الى بريدنا الالكتروني او صفحتنا على الفيس بوك لتكونوا شركاء في صياغة الخبر في موقع سمانا يهمنا جدا سماع اقتراحاتكم وملاحظاتكم، ويسعدنا التعاون مع كل من لديه الرغبة بنشر خبر او تقرير تعمل به مجموعة من الشباب يهمها تشجيع ودفع المواهب الشخصية والعامة عن طريق تغطية الاحداث والفعاليات والنشاطات الثقافية والاجتماعية في طرعان والمنطقة موقع سمانا هو موقع متعدد الفئات ، اخباري ثقافي اجتماعي فني ترفيهي لكل العائلة
الرئيسية » ورقة وقلم » قصة قصيرة وشعر » يوميـات فـأر .. قصة قصيرة بقلم الدكتور محمد خليل

يوميـات فـأر .. قصة قصيرة بقلم الدكتور محمد خليل

12/09/2014 - 13:27
يوميات فأر 
 
إنه لكبيرهم الذي يدوِّن في يومياته! بعد أن خرج إلى المعاش مرغمًا إثر محاولته غرز نابه الأزرق في ساق  إحدى الشجيرات الغضة. لكن الحظ ما أقواه! فبعد جهد جهيد من النفاق والمراوغة والتصاغر والتملق، تم سحبه منها كما تسحب الشعرة من العجينة لكن ليس قبل أن يهبر هبرة كبيرة.
 
كان غياب القطة الشقراء ذات العينين الزرقاوين مؤقتًا، فرصة سانحة طالما انتظرها الفئران على أحر من جمر! ((إن غاب القط فالعب يا فأر))! هكذا يقول المثل. فما إن تنفس الفئران الصعداء خلسة داخل جحورهم، حتى غادروها، على جناح السرعة، إلى الردهة المشتركة المقابلة. وهناك في ممر الفئران، بدأ كل فأر يتمشى ذهابًا وإيابًا معتقدًا، في ظل وهم من الفرح وعزة النفس أنه قد بدأ يتذوق فعلاً طعم حريته المفقودة، في حين بالغ بعضهم إذ راح يتخيّل نفسه في نزهة استعراضية على شاطئ البحر أو في ما يشبه عرضًا للأزياء! إلا فأرًا واحدًا كانت تبدو عليه أمارات عدم الرضا، وقد تنحى جانبًا وهو مطرق يفكر بجدية في ما يحدث أمامه، ولسان حاله كأنما يقول: العين بصيرة واليد قصيرة!
 
ألوان وأشكال متعددة من الفئران حضرت الاستعراض وشاركت فيه، كل فأر ومعطياته! فهذا فأر أسود اللون طويل ذيله لكنه كبير، بدت عليه أمارات الترهل، يدعي أنه يفهم في كل شيء، لكنه، في حقيقة أمره، لا يفهم في شيء. وذلك فأر رمادي قصير ذيله، لكنه منتفخ من أمام لا يفهم في فهم المقروء ولا يعي في الوعي القرائي ولا حتى الكتابي شيئًا، لا شكلاً ولا مضمونًا، على حد سواء. وذاك فأر آخر بنيّ اللون أزعر الذيل منتفخ من الوسط، لا يجيد القراءة ولا الكتابة لكن له أسنانًا حادة وأظفارًا جارحة، معروف بضرباته المؤلمة. وآخر لونه أبيض منتفخ من أمام ومن خلف، يتظاهر بحبه للبيئة حبًا أضناه إلى أن بلغ حد الوجد، تفضحه خائنة البصر والبصيرة، فهو أكثر ما يتلهى بالتلصص على الفأرات، إذ لديه تخصص في معرفة التلصص! وخامس فأر لا لون مستقر له فهو متقلب حسب ما يقتضيه الطقس لا حسب ما يمليه الرأس، وهو إلى ذلك كله، يرتدي ثيابًا رثة ويعتنق ربطة مهترئة، لطالما ضبط وهو يغط في نومه ويصدر عنه شخير مزعج، في ظل منهاجه ومنهجه اللذين أكل الدهر عليهما وشرب! جاء مصطحبًا معه فأرًا نحيلاً هزيلاً، ومع أنه يصعب على المرء تصنيفه، لكنه لا ينفك عن التباهي لا بإنجازه، بل بحذائه الجديد اللمّاع من خارج وجواربه الملونة. وآخر عاشق نفسه، يعاني من نرجسية مفرطة، طالما تباهى بها أمام أقرانه الفئران، مدعيًا أن مفتاحه هو الأطول دائمًا تيمنًا بمفتاح أبيه، ومن يطل ((مفتاح)) أبيه ينتطق به، كما ويرقص على أكثر من ((حبل))! له في كل عرس قرص، يتغنى باستمرار، بوطنيته الكاذبة، إنه نموذج للوطني المزيّف، والشعار الأجوف، فطالما تظاهر بالذكاء وهو في حقيقة أمره توأم الغباء! 
 
وآخرهم فأر مراهق لا يرى إلا بعينيه، لم يبلغ أشده ولا رشده بعد جاء يركب خنزيرة عجوزًا، لاهثًا مفتشًا عن بقايا طعام، فهو لا يحسن سوى الأكل والشرب والنوم، بعد أن تعرّى من كل ضمير أو كرامة أو شهامة، يحمل على عاتقه حقيبة، لا لشيء إلا لأجل تمام الصورة ليس أكثر! وقد ينضم إلى المجموعة، استثناءً أو في الوقت الضائع ووقت الفئران ما أضيعه! فأر طارئ جديد على الخط؛ فأر ابن فأر يفوق الفئران كذبًا وخداعًا، حتى أصبح يكذب كذبته فيصدقها، ما أكثر ما يتندر الفئران منه! كقولهم: وصل الفأر الجديد، غادر الفأر الجديد. أو كما قيل: اربط فأرك مع الفئران يتعلم! هكذا هو عالم الفئران تلك الجملة آخر ما دونه كبير الفئران في يومه الأول!
 
في اليوم الثاني أضاف كبير الفئران إلى مدونته: بين ((الفاينة والفاينة)) كنت ترى فأرة تنط من ركن إلى ركن، يتناثر شلالها الأشعث على كتفيها، جسدها يتكلم لوحده، وقد تومض مثل ((سراج الغولة))، متعالمة متعالية، معجبة بنفسها، لم تبلغ بعد مهارة الاحتراف! جاءت مزهوة بنفسها تفاخر بما لديها من إمكانيات قد لا تتوافر لدى سواها لاسيما جمالها المصنوع، كما تعاني من أنوثة مفرطة لكنها مزيفة، في ظل منافسة شديدة لا تبقي ولا تذر ما هو مصنوع أو مطبوع، كانت وما زالت سبب كل فوضى في ما حولها. وقد تبلغ الفوضى أقصى درجات ذروتها حين تمر من أمام جمع الفئران، متظاهرة بالجمال والمال والأناقة واللباقة، على الموضة تفتش عن فأر يمكن أن يشتري بضاعتها ويسرها في نفسه! 
 
وحين يلمحها خبث الفأر أو يشتم رائحتها واحد ممن يعانون من ذكورية مفرطة، فإنه يسارع ويتبعها أين ما ذهبت أو وصلت، وقد يتسمر في مكانه وهو محملق عينيه فيها متعلّق بها، أو يروح يجيل نظره بها من خلف ومن أمام، ناسيًا أن ((لكل جسد رب يأويه))، وما هي إلا لحظات حتى كانت الفئران كلها بلا استثناء، تتزاحم من حولها تزاحم الأضداد، وتتقافز تقافز البلهاء، في محاولتها البائسة التقرب إليها زلفى بمختلف وسائل المجاملات التي تؤدي حتمًا إلى الكذب والنفاق والإطراء، ظنًا منها أنها يمكن أن تصبح صيدًا سهلاً في متناول اليدين أو اليد الواحدة في أقل تقدير! 
 
وما إن تقرع باب أحدهم شجرة غضة تبحث عن إمكانية الانضمام إلى سائر الأشجار في الغابة، إلا ويريد أن يتسلقها في الحال، أو ينظر إليها بلهفة المحروم، بحثًا عما لديها من إمكانيات أو مؤهلات لا تتوافر لدى سواها، تتيح لها إمكانية القبول والموافقة! والأمر على حاله مع كل شجرة وافدة، فإنه يطلب إليها أن تفتح أغصانها وتعرض أثمارها، وإلا فلا كان شجر ولا ثمر! خذ وهات! تلك هي القاعدة وما عداها هو الاستثناء، ولن يطلب منها سوى ذلك أبدًا! فلكل شيء ثمن، ذلك أمر مفروغ منه، على كل حال، ليس هذا هو السؤال، ما هو الثمن المطلوب؟ هذا هو السؤال! 
أما إذا فشل في محاولته تسلق الشجرة، وتعذر عليه فتح الباب، فإنه قد يجرب حظه مع نفسه، لعله يعثر على ضالته هنا بعد أن لم يجدها هناك. وفي اليوم الثالث أضاف كبير الفئران إلى مدونته: اليوم مع بدء الدوام الاعتيادي، وصل معظم أفراد العصابة وهم يجرجرون أذيال الخيبة والفشل من خلفهم، فكل فأر فيهم تسلق أو وصل إلى جحره بطريقته الخاصة، وغايتهم تبرّر وسيلتهم، فمنهم من جاء يفتخر بنفسه ويفاخر بطول ذيله، ومنهم بطول ذيل أبيه أو أخيه أو ذويه، وهلم جرَّا، وإلا بماذا يمكن أن يفاخر الفأر أو تتفاخر الفئران؟! بوثيقة تحمل تفاصيله الرسمية مدفوعة الثمن من الداخل لكنها مزوّرة، أم بشهادة تفاصيله المستوردة من الخارج؟ تساءل كبيرهم! 
 
كان الفأر المعني يسترق السمع إلى ما يقوله كبير الفئران، في حالة يرثى لها، كسير الخاطر، مهيض الجناح، مطأطأ الرأس، ولم يحتمل الموقف أكثر، فجمع نفسه وطواها بعد أن لف ذيله، ثم انسل من بين الحاضرين مهرولاً، ثم شوهد، من بعد ذلك، وهو يسابق الرياح مبتعدًا بأقصى سرعة ممكنة، كانت رجلاه أعلى من رأسه!
 
كانت براعة التنافس بين جمع الفئران في الهبوط والغوص في الحفر في بؤر الفساد والسقوط والرذيلة، من أخمص القدمين إلى أعلى الرأس، الواحد تلو الآخر، قد وصلت حدًا فاق كل تصور أو توقع ناهيك بفقدان الشرف وغياب الضمير! وبدأ كل واحد منهم يتظاهر أنه ليس هو المقصود بعد أن أحس بصدأ مفتاحه عن قفله، أو تجرده من الكرامة إلى غير رجعة، كفعل الحمام إذا سئم المقام. ولات حين مناص فقد أغرق كل واحد منهم من حوله بعد أن أغرق نفسه في لجة من المفارقات العجيبة، إلى أن أصبح المشهد أكثر من محزن ومضحك في الوقت نفسه، هكذا هو عالم الفئران!
 
فجأة، سمع صرير باب المدخل الرئيسي في الدائرة الرسمية، ثم تبعه وقع أقدام القطة الشقراء ذات العينين الزرقاوين في طريقها إلى مكتبها، وكبير الفئران مرهف السمع ثاقب البصر والبصيرة، يفتش عن ملاذ آمن حتى عن بعد، ولم تمض سوى بضع لحظات حتى كان أول الفارين بجلده إلى أن توارى عن الأنظار. فالفأر معروف بجبنه وهو أكثر ما يخشى على حياته، فما إن يسمع ذبذبات ذنبه حتى يطلق العنان لساقيه موليًا الأدبار، فكيف به إذا سمع وقع أقدام القطة الشقراء؟! وبأسرع ما يمكن بدأ الفئران يفرون من أمامها، فرادى وجماعات، مذعورين لا يلوون على شيء مفتشين، والتفتيش ليس من طبعهم، عن جحورهم التي تؤويهم، ملتصقين محتكين بعضهم ببعض وقد يصطدم الواحد بالآخر في تدافعهم، متخيلين أنهم يشعرون فيها بأمان واطمئنان. كان تدافع الفئران إلى جحورهم من أغرب الأمور وأعجبها! ثم خيّم سكون محكم على المكان وما حوله. وقد بدأ الفئران يتقنون اللعبة على أصولها، إذ اعتادوا كلما غابت القطة الشقراء أو تأخرت، أن يطلوا برؤوسهم قبل أن يخرجوا من جحورهم ليسرحوا ويمرحوا على كيفهم! ومتى وصلت الشقراء أو مرت في طريقها إلى مكتبها المجاور لجحورهم، تسابقوا في الهرب من أمامها للاختباء والاحتماء في جحورهم، ولا يعود الفأر إلى جحره إلا ليخرج منه من جديد، وهكذا دواليك. فالجحر عالمه وكل شيء في حياته وكل ما هو خارج الجحر غريب عليه لا يعنيه، بل لا يريد أن يعرفه أو ينتمي إليه، ومع ذلك لا يحلو له إلا أن يكابر وهو القائل: أنا في قلب الحقيقة مثلما الحقيقة في قلبي!
 
والجحور كثيرة، متقاربة ومتقابلة، كل جحر يقابله جحر وفي كل حيص بيص منها، يختبئ فأران لا فأر، فالجحر الواحد ضيق لا يتسع لأكثر من فأرين فقط، فأران لا زيادة ولا نقصان، مع ما يحتويه أيضًا من شبه طاولة وشبه كرسي وهواء مضغوط! والعزلة، في كل جحر خانقة معادلها الموضوعي يقطر من كل فأر ذلاً ونفاقًا وخرابًا! حياته رخيصة، لا تقوم بغير أمر أو نهي، أما جوابه: سمعًا وطاعة! إنها حياتهم التي لا تساوي عندهم أكثر من منصب أو درجة! كلما ازداد أحدهم علوًّا في منصبه ازداد هبوطًا بين ربعه وفي محيطه. والانفعال باد عليهم والجبن من طبعهم، أما الفعل فمجردون منه، لا تعرف قلوبهم سوى الحقد والكراهية، يدهم هي السفلى دائمًا، خطواتهم أخف من بيضة على جمل، لا تكاد تترك أثرًا، والفأر منهم يحافظ على مسافة بعد خوفًا من زميله الذي يتربص به، وحذرًا من أن يطيح الواحد منهم بالآخر ويحل مكانه. فلا يأتمن أحدُهم أحدَهم، وقد يلدغ الفأر من جحر واحد مرتين أو أكثر، والفأر يحدثك العجب العجاب إذا ما بلغتهم أخبار الطعام والهيام، والرائحة وحدها تكفيه لكي يتبعها، فما أسرع أحدهم في التفتيش عن بقايا جبن أبيض أو أصفر! يكاد الفئران يفقدون صوابهم وهم يتهامسون: بالتأكيد هذا طعام ملوكي ولا في الأحلام! فلا آكل من فأر، ولا ألص من فأرة! فالطعام والهيام وحدهما أكثر ما يجتذبانهم، تمامًا مثلما يجتذبان المحرومين، أو كما تجتذب النار الفراشات! والفأر، كعادته، لا يرضى إلا بما يفتضح أمره مهما بالغ في الحيطة والحذر وستر العورة، يحاول باستمرار أن يصغّر حجمه أو يتصاغر مهما كبرت واسطته، لا يعير اهتمامًا لأحد سوى المقربين أو الأقربين، فشعاره: الأقربون أولى بالمعروف! الأمر الذي ينفر الناس منه، فلا يوقره أحد إلا خشية ومخافة، حتى إنه يجعل الناس يبدون فزعًا منه أكثر بكثير مما يبدونه من الحية! ولا غرابة في ذلك، هكذا هو عالم الفئران!  
 
في اليوم الرابع كان كبير الفئران يفتش عما يمكن أن يدونه في يومياته، وإذا به يسترق السمع لحوار دار بين فأرين علقت بهما الذاكرة:
من أنت؟
مثلك أنت!
أين أنت؟
حيث أنت!
كيف وصلت؟
مثلما وصلت!
كيف تسلقت؟
مثلما تسلقت! 
 
وفي اليوم الخامس، استرق سمع كبير الفئران اعترافًا أدلى به فأر دعي لا يحسن سوى التنكيت والتبكيت، إلى زميله الفأر؛ شريكه في الجحر، والفأر لا يفتش إلا عن فأر مثله، فدوّنه في يومياته، قال: هذه حكاية سمعتها عن أبي عن جدي في أحد أيام فصل الخريف. ففي حين كنت أتنزه في الغابة المجاورة، متنقلاً من جحر إلى جحر، وأقفز من حجر إلى حجر، لفت نظري ما صنعه القرد بملك الغاب وهو رابض تحت شجرة يتفيأ في ظلها وقت القيلولة. وعلى ما يبدو أنه كان متعبًا جدًا فغالبه النعاس حتى غلبه وكانت له غفوة! استغل الفرصة ذاك القرد الخبيث، والخبث من طبعه وقد كان يراقبه من بين الأشجار، ولما أيقن أن ملك الغاب استسلم للنوم العميق أسرع إلى حبل ثخين كان مربوطًا إلى جذع الشجرة وراح يلتف به عليه إلى أن ربطه وقيده بإحكام. استيقظ الأسد من غفوته وراعه هول ما حلّ به في غفلته. حاول جاهدًا أن يفك قيده لكن دون جدوى، أطلق بعدها زئيره المجلجل فزلزل الغابة من أقصاها إلى أقصاها. التفت من حوله فرأى القرد مختبئًا بين الأشجار يقهقه بأعلى صوته. فقال له ويحك أفعلتها!؟ وما هي إلا لحظات حتى خرج الفأر من جحره، وبعد أن تسلق الشجرة بدأ يقفز من غصن إلى غصن، ولما لم يجد ما يقضمه راح يعالج الحبل بأسنانه، إلى أن قضمه وفك الأسد من قيده. وقف الأسد متنهدًا وصاح بأعلى صوته: ((صار القرد والفأر من أهل العقد والحل! وأقسم قائلاً: إن البلاد اللي فيها القرد يربط والفأر يحل ما لي قعود فيها))! كل غابة ولها قرودها! كل غابة ولها فئرانها! ثم أردف قائلاً: يفتتحها الأسود ويرثها القرود! وغادر الغابة إلى الأبد وهو يلعن غدر الزمان وأهله! 
 
في اليوم السادس كتب كبير الفئران في مدونته: اليوم انتقلت مجموعة من الفئران إلى جحور جديدة، ادخرتها لوقت الضرورة وللضرورة أحكام، إنها للمهمات الخاصة والاحتياجات الماسة، حيث لا عين ترى ولا أذن تسمع! وجاء كل فأر رافعًا ذنبه من خلف خافضًا رأسه من أمام، متظاهرًا بأن كل شيء لديه على ما يرام، بمنأى عن القطة الشقراء! بحثًا عن عمل إضافي في القضم والتخريب. فالفئران لا يعنيها سوى بطنها وتكاثرها! 
 
وفي اليوم السابع كتب كبير الفئران في مدونته: لم يعد هنالك مجال للإنكار أو للإخفاء لقد حان وقت الاعتراف: الناس ما عادت مغمضة العينين! ثمة رأي يقول: لا يختلف اثنان بأن الفأر يعد آفة من الآفات الخطيرة أو بلاء عظيمًا، إذ يلتهم طعام الإنسان ويلوّثه ويتلفه كما يتلف الجلود والكتب، ولا يضع يده في شيء إلا أسرع إليه الخراب فالخراب عجينته وخميرته، منذ فأرة العرم إلى اليوم. حتى الإنسان لم يسلم من أذاه، فإن من الفئران ما إذا عض قتل، والعهدة على الجاحظ! إنه لا يؤتمن أبدًا، وقد قيل: من يؤمّن الفأر على طعام البيت كمن يؤمّن القرد على خابية الزيت، أو الأرنب على الخسة! إن الفئران، بلا استثناء، مصدر الفساد في المجتمع، ما أكثر ضحاياها! وأما ما خلفته من خراب ودمار في المجتمع، فغير قابل للإصلاح البتة، وإذا أمكن الإصلاح فقد يُحتاج إلى عقود من الزمن، لينظر كل فأر وجهه في المرآة! وهل كثير عليها خراب بيتها، بعد الخراب الذي ألحقته ببيوت الآخرين؟!  
 
والفئران لا ترعوي فهي تتكاثر باستمرار وخطرها المحدق يتفاقم يومًا بعد يوم، والوضع يزداد سوءًا، وهذا شيء طبيعي. هكذا هو عالم الفئران! وأخشى ما نخشاه وهو ما يتهدد مصيرنا أن يخرج من يتصدى لنا ويقف في وجهنا، لاسيما بعد أن تقاصر طول ذنَب كل فأر فيهم، ولم يبق ذنَب واحد على حاله، وأما الطامة الكبرى فقد لا تتأخر إذا ما فرضت علينا المواجهة بغية القضاء علينا! 
 
والجحور ضيقة ضيقة والفئران كثيرة كثيرة! والخوف يحاصرنا والخناق يضيق علينا من كل حدب وصوب. إنني أرى ما لا يُرى وأسمع ما لا يُسمع، ما أخطر أن تكون فأرًا في هذه الأيام! نهاية كلام كبير الفئران!
 
د. محمد خليل
اضف تعقيب
الإسم
التعليق
ارسل